فوكوياما وماكفول: هدف أميركا من الترويج للديمقراطية لم يكن مثالياً بل وسيلة لتحقيق مصالحها في المنطقة.

كان تراجع الإدارة الاميركية عن المضي في سياستها لترويج الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط محل اهتمام العديد من المفكرين الاميركيين الذين انقسموا إلي فريقين: الفريق الأول رأي أن مسألة نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط ليست ممكنة بالنظر إلي عوامل عديدة ومن ثم ينبغي ألا تُجهد الولايات المتحدة نفسها بهذا الأمر، والفريق الثاني رأي أنه ينبغي على واشنطن أن تستأنف سياسة الترويج للديمقراطية ونشرها في المنطقة وذلك على اعتبار أن هذه السياسة تصب في مصلحة دعم الأمن القومي الاميركي. ومن بين أعضاء الفريق الثاني المفكر الاميركي الشهير فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية "نهاية التاريخ" وأستاذ الاقتصاد السياسي الدولي ومدير برنامج التنمية الدولية في جامعة جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، والكاتب مايكل ماكفول الأستاذ بمعهد هوفر، وأستاذ العلوم السياسية ومدير مركز الديمقراطية والتنمية وحكم القانون في جامعة ستانفورد. وقد عبر فوكوياما وماكفول عن رؤيتهما في دراسة بعنوان "هل ينبغي تشجيع الديمقراطية أم إهمالها؟"، نشرت في دورية "واشنطن كوارتري الفصلية" " شتاء 2007/2008.
يبدأ الكاتبان دراستهما بالإشارة إلي حماس الرئيس بوش الكبير للترويج للديمقراطية في الشرق الأوسط حتى أنه ذكر في خطابه التنصيبي الثانيِ في 20 يناير2005 كلمة "الحرية" 25 مرة وكلمة "الليبرالية" 12 مرة ، كما استخدم كلمة "الديمقراطية" أو كلمة "ديمقراطي" ثلاث مرات، وبالرغم من إقرارهما بحدوث تقدم ملموس في تحقيق هذا الهدف في السنوات التي تلت أحداث سبتمبر فإنهما لاحظا أن النتائج النهائية لم تكن مرضية.
فقد أخفقت الديمقراطية في أفغانستان والعراق، ولم تحدث موجة من الحرية خلال الشرق الأوسط الكبير، وبدلاً مِن ذلك فقد استخدمت بعض الأنظمة في المنطقة الإرهاب أو التهديد الاميركي المزعوم بغزو إيران كذريعة لترسيخ أنظمتها الأوتوقراطية.
وبالرغم من أن فوكوياما وماكفول يرصدان تراجع الإدارة الاميركية عن سياسة ترويج الديمقراطية، والانخفاض في التأييد الشعبي لهذه السياسة (فقد تراجع هذا التأيد من 52% عام 2005 إلى 45% عام 2006 ثم إلى 37% عام 2007 حسب استطلاع أجراه صندوق مارشال الألماني)، فإنهما يؤكدان على أن الولايات المتحدة ينبغي أن تستمر في تروج الديمقراطية ولكن من خلال استراتيجيات جديدة ونماذج أفضل لتحقيق هذا الهدف.
في الدفاع عن الديمقراطية
في محاولة للتأكيد علي وجهة نظرهما يبدأ الكاتبان فوكوياما وماكفول في الدفاع عن سياسة الترويج للديمقراطية من خلال التشديد علي أن انتشارها يصب في مصلحة الأمن القومي الأميركي وذلك بالنظر إلي مجموعة من العوامل:
أولها: أن الدول الديمقراطية لا تحارب بعضها البعض (نظرية السلام الديمقراطي)، وفي هذا الصدد يشيران إلي أن كل عدو لأميركا هو إما أنظمة حكم أوتوقراطية (مثل اليابان وألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، والإتحاد السوفيتي، وكوريا الشمالية) أو حركات سياسية تتبني أفكاراً ضد الديمقراطيةَ كتنظيم القاعدة.
ثانيها: أن تحول الدول الأوتوقراطية القوية إلي الديمقراطية قد خدم المصلحة القومية والأمن القومي الاميركي، فترسيخ الديمقراطية في ألمانيا وايطاليا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية جعل الولايات المتحدة آمنة حيث كان ترسيخ الديمقراطية في هذه الدول بمنزلة الأسس التي قامت عليها التحالفات العسكرية الاميركية في أوروبا وآسيا.
كما أدي تغير النظام في الإتحاد السوفيتي السابق إلى إنهاء الحرب الباردة وزوال التهديد الكبيرِ الذي كان موجهاً ضد الولايات المتّحدة وحلفائها، كما ساعدت التحولات في شيلي والفلبين والبرتغال وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا وأسبانيا وتايوان في تعميق الروابط بين الولايات المتحدة وهذه الدول.
ثالثها: أنه بالرغم من القلق من أن يؤدي التغير السياسي في الدول الحليفة الأوتوقراطية إلى ظهور أنظمة ثيوقراطية تعادي المصالح الاميركية خاصة مع وجود تهديد أيديولوجي عالمي جديد في صورة الصحوة الإسلامية الراديكالية، فإن الثابت أن الإجراءات الديمقراطية لم تجلب أبداً إلى السلطة حكومة تشكل تهديدا لمصالح
المزيد