لسان العرب

وتجمعنا جوامع كبريات واكبرهن سيدة اللغات

 العالم الآن

قتلى العدو الأميركي

السبت,كانون الثاني 26, 2008


فوكوياما وماكفول: هدف أميركا من الترويج للديمقراطية لم يكن مثالياً بل وسيلة لتحقيق مصالحها في المنطقة.

 

كان تراجع الإدارة الاميركية عن المضي في سياستها لترويج الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط محل اهتمام العديد من المفكرين الاميركيين الذين انقسموا إلي فريقين: الفريق الأول رأي أن مسألة نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط ليست ممكنة بالنظر إلي عوامل عديدة ومن ثم ينبغي ألا تُجهد الولايات المتحدة نفسها بهذا الأمر، والفريق الثاني رأي أنه ينبغي على واشنطن أن تستأنف سياسة الترويج للديمقراطية ونشرها في المنطقة وذلك على اعتبار أن هذه السياسة تصب في مصلحة دعم الأمن القومي الاميركي. ومن بين أعضاء الفريق الثاني المفكر الاميركي الشهير فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية "نهاية التاريخ" وأستاذ الاقتصاد السياسي الدولي ومدير برنامج التنمية الدولية في جامعة جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، والكاتب مايكل ماكفول الأستاذ بمعهد هوفر، وأستاذ العلوم السياسية ومدير مركز الديمقراطية والتنمية وحكم القانون في جامعة ستانفورد. وقد عبر فوكوياما وماكفول عن رؤيتهما في دراسة بعنوان "هل ينبغي تشجيع الديمقراطية أم إهمالها؟"، نشرت في دورية "واشنطن كوارتري الفصلية" " شتاء 2007/2008.

يبدأ الكاتبان دراستهما بالإشارة إلي حماس الرئيس بوش الكبير للترويج للديمقراطية في الشرق الأوسط حتى أنه ذكر في خطابه التنصيبي الثانيِ في 20 يناير2005 كلمة "الحرية" 25 مرة وكلمة "الليبرالية" 12 مرة ، كما استخدم كلمة "الديمقراطية" أو كلمة "ديمقراطي" ثلاث مرات، وبالرغم من إقرارهما بحدوث تقدم ملموس في تحقيق هذا الهدف في السنوات التي تلت أحداث سبتمبر فإنهما لاحظا أن النتائج النهائية لم تكن مرضية.

فقد أخفقت الديمقراطية في أفغانستان والعراق، ولم تحدث موجة من الحرية خلال الشرق الأوسط الكبير، وبدلاً مِن ذلك فقد استخدمت بعض الأنظمة في المنطقة الإرهاب أو التهديد الاميركي المزعوم بغزو إيران كذريعة لترسيخ أنظمتها الأوتوقراطية.

وبالرغم من أن فوكوياما وماكفول يرصدان تراجع الإدارة الاميركية عن سياسة ترويج الديمقراطية، والانخفاض في التأييد الشعبي لهذه السياسة (فقد تراجع هذا التأيد من 52% عام 2005 إلى 45% عام 2006 ثم إلى 37% عام 2007 حسب استطلاع أجراه صندوق مارشال الألماني)، فإنهما يؤكدان على أن الولايات المتحدة ينبغي أن تستمر في تروج الديمقراطية ولكن من خلال استراتيجيات جديدة ونماذج أفضل لتحقيق هذا الهدف.

في الدفاع عن الديمقراطية

في محاولة للتأكيد علي وجهة نظرهما يبدأ الكاتبان فوكوياما وماكفول في الدفاع عن سياسة الترويج للديمقراطية من خلال التشديد علي أن انتشارها يصب في مصلحة الأمن القومي الأميركي وذلك بالنظر إلي مجموعة من العوامل:

أولها: أن الدول الديمقراطية لا تحارب بعضها البعض (نظرية السلام الديمقراطي)، وفي هذا الصدد يشيران إلي أن كل عدو لأميركا هو إما أنظمة حكم أوتوقراطية (مثل اليابان وألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، والإتحاد السوفيتي، وكوريا الشمالية) أو حركات سياسية تتبني أفكاراً ضد الديمقراطيةَ كتنظيم القاعدة.

ثانيها: أن تحول الدول الأوتوقراطية القوية إلي الديمقراطية قد خدم المصلحة القومية والأمن القومي الاميركي، فترسيخ الديمقراطية في ألمانيا وايطاليا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية جعل الولايات المتحدة آمنة حيث كان ترسيخ الديمقراطية في هذه الدول بمنزلة الأسس التي قامت عليها التحالفات العسكرية الاميركية في أوروبا وآسيا.

كما أدي تغير النظام في الإتحاد السوفيتي السابق إلى إنهاء الحرب الباردة وزوال التهديد الكبيرِ الذي كان موجهاً ضد الولايات المتّحدة وحلفائها، كما ساعدت التحولات في شيلي والفلبين والبرتغال وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا وأسبانيا وتايوان في تعميق الروابط بين الولايات المتحدة وهذه الدول.

ثالثها: أنه بالرغم من القلق من أن يؤدي التغير السياسي في الدول الحليفة الأوتوقراطية إلى ظهور أنظمة ثيوقراطية تعادي المصالح الاميركية خاصة مع وجود تهديد أيديولوجي عالمي جديد في صورة الصحوة الإسلامية الراديكالية، فإن الثابت أن الإجراءات الديمقراطية لم تجلب أبداً إلى السلطة حكومة تشكل تهديدا لمصالح الولايات المتحدة الأمنية أو حلفائها بصورة مباشرة.

وانطلاقاً مما سبق وعلى المدى البعيد، فإن ظهور أنظمة أكثر ديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط سيجعل الولايات المتحدة أكثر أمناً، بالنظر إلي أن ترسيخ الديمقراطية في هذه المنطقة سيزيد من شرعية الحكومات مما يُخفض من الإعجاب بحركات مثل القاعدة، كما أن وجود الحكومات الديمقراطية في المنطقة سوف يزيد الاستقرار الداخلي داخل الدول لأن الديمقراطيات تعيش حياة أطول من الأوتوقراطيات.

وإذا حكمت الأنظمة الديمقراطية كُل بلدان المنطقة، فإن الصراعات بين الدول ستكون أقل وبالنتيجة فإن الطلب علي الأسلحة، ومن بينها أسلحة الدمار الشامل، سينخفض، وأخيراً فإن مزيداً من الأمن والاستقرار في المنطقة من شأنه أن يقلل من الحاجة للوجود العسكري الاميركي، على غرار التجربة الأوروبية حيث انخفّضت الحاجةَ بشكل مثير للانتشار الأميركي في القارة الأوروبية.

الاشتباك مع رافضي الترويج للديمقراطية

يشتبك الكاتبان مع هؤلاء الذين يرفضون استمرار الولايات المتحدة في الترويج للديمقراطية وذلك مستندين إلي أربعة أسباب: الأول أن الديمقراطية هي ثقافة بالأساس ولَيست سلعة عالمية، والثاني أن مبدأ احترام السيادة هو أساس النظام الدولي، والثالث أن المثالية يجب ألا تتفوق على المصلحة الوطنية، والرابع أن الإصلاحات الديمقراطية أمر معقد وصعب ولذا لا يمْكن أنْ يتم مِن قِبل فاعلين خارجيين.

ففيما يتعلق بالسبب الأول أكدا فوكوياما وماكفول علي أن الترويج للديمقراطية لا يعني ضمناً فرض الديمقراطية على مجتمع لا يريدها، كما أن قيم حقوق الإنسان والمؤسسات الديمقراطية التي تنبع منها هي قيم عالمية بالأساس، وليس أدل علي ذلك من انتشار وتجذر الديمقراطية في حضارات غير غربية وغير مسيحية على غرار الهند، واليابان، وكوريا، وجنوب أفريقيا، كذلك فالأخذ بالديمقراطية جاء لأنها تخدم حاجات عالمية أَو تؤدي وظائف ضرورية على المستوي العالمي، خصوصاً في المستويات الأعلى من التنمية الاقتصادية والسياسية.

وبخصوص السبب الثاني فقد قلل الكاتبان من جدوى فكرة السيادة خاصة في ظل العولمة وثورة الاتصالات التي سمحت للمجتمعات أن تتفاعل مع بعضها البعض وأن تؤثر إحداها في الشؤون الداخلية للأخرى، وأنه لا يمكن لأي نظام عالمي واقعي أن يقف مكتوفاً أمام عدد كبير من الدول الضعيفة والفاشلة في العالم النامي، التي أَصبحت جاذبة للفوضى بالإضافة إلى تُقوّض استقرار الدول الأخرى في النظام الدولي، كذلك فقد زاد عدد الفاعلين غير الدوليين كالمنظمات الإرهابية والميليشيات وعصابات المخدرات إلي الشركات متعددة الجنسية والمنظمات غير الحكومية العالمية، ومن ثم ليس معقولاً توقع أن تتعامل الدول فقط مع الدول الأخرى ذات السيادة وألا تحاول التأثير على سلوك العديد مِن الفاعلين غير الدوليين أو الثانويين في النظامِ الدولي.

أما السبب الثالث فيتعلق بضرورة ألا تتفوق المثالية (الترويج للديمقراطية) على المصلحة الوطنية حيث أن استمرار الولايات المتحدة في الترويج للديمقراطية قد يضر بمصالحها ، كما أن الضغط الاميركي لتحرير الفضاءِ السياسي والدعوات إلي الانتخابات جلب إلى السلطة جماعات مثل حماس في الأراضي الفلسطينية وحزب الله في لبنان والإخوان المسلمين في مصر وكلها جماعات غير ليبرالية وتعادي المصالح الاميركية؛ ويرد الكاتبان على ذلك بتأكيدهما أن القول بأن واشنطن يجب أَن تُروج للديمقراطية في سياستها الخارجية لا يعني أنها يجب أَن تضع أهدافاً مثالية قبل أنواع أخرى من المصالح الوطنية في جميع الأوقات والأماكن أَو أنها يجب أَن تستعمل القوة العسكريةَ بحثاً عن هذه الأهداف.

فالولايات المتّحدة لم يسبق لها أَن جعلت ترويج الديمقراطية الهدف الأهم لسياستها الخارجية، فالحرب في أفغانستان والعراق لم تكن بالأساس من أجل الترويج للديمقراطية وإنما كانت لأهداف أخري مختلفة تماماً.

ويضيف فوكوياما وماكفول أن هدف الترويج للديمقراطية لم يكن هدفاً مثالياً وإنما كان أحد الوسائل لتحقيق مصلحة اميركية تتمثل في القضاء علي الإرهاب. فقد جعلت إدارة بوش حجتها العامة أن تزايد انتشار الإرهاب والراديكالية الإسلامية يرجع إلى افتقار المنطقة للديمقراطية ومن ثم فإن التَرويج للديمقراطية يعد أحد الطرق إلى استئصال التهديد الإرهابي.

وبالنسبة للجزء الخاص بأن الترويج للديمقراطية من شأنه أن يجلب للسلطة جماعات معادية للولايات المتحدة فقد أقر الكاتبان هذا الأمر غير أنهما أرجعا السبب في ذلك ليس إلى عملية الدمقرطة وإنما إلي ضعف المعارضة الليبرالية المدعومة من الغرب في مقابل قوة الحركات الإسلامية، واقترحا لمعالجة هذا الأمر أن تتبع واشنطن سياسة متدرجة تأخذ في حسبانها الظروف الداخلية خاصة ما يتعلق بعدم وجود بديل ديمقراطي مناسب، أو الطريقة التي يتم من خلالها دفع هذه الدول إلي الإصلاح السياسي إذا قد يسفر الضغط الهادئ على بعض الدول عن تحقيق بعض النتائج بينما يؤدي التصعيد والتهديد باستعمال القوة إلي نتائج سلبية.

أخيراً وبشأن السبب الرابع فيري البعض مثل جاك سنايدر وإدوارد مانسفيلد أن مراحل الدمقرطة المبكرة تطرح مخاطر خاصة من الترويج للقومية والسياسات غير الليبرالية، كما اعتبر مؤلفون كصامويل هنتنجتون إلى فريد زكريا بأن السياسة الاميركية يجب أَن تؤخر الترويج للديمقراطية حتى يتحقق مستوى أعلى من التنمية الاقتصادية تطبيقاً لما يسمي بنموذج "الانتقال الاستبدادي" طبقته عدد من البلدانِ، مثل تشيلي، وكوريا الجنوبية، وتايوان، وغالباً ما يُوصي بأن تطبق السياسة الاميركية هذا النموذج في أقاليم مثل الشرق الأوسط.

ورداً علي ذلك يقول الكاتبان أن نجاح هذا النموذج في بعض الدول لا يعني تطبيقه بنجاح في دول الشرق الأوسط ،كما أن هذا النموذج يضم عدداً من المشاكل التي أشار إليها توم كاروثيرز، ومن بينها صعوبة إيجاد "ليبراليين متسلطين" ذوي عقلية تنموية يمكن أن يتبنوا ذلك النموذج، فأكثر الحالات انطباقاً في أفريقيا واميركا اللاتينية والشرق الأوسط تميزت بوجود حكومات سلطوية فاسدة عاجزة أَو أنانية، والمشكلة الأخرى الإستراتيجية تكمن في أنها تَفترض أن الولايات المتّحدة والقوى الأجنبية الأخرى يمكن أَن يسيطرا بطريقة ما على التحولات الديمقراطية، ويَمنعا الضغوط المضادة للانتخابات الديمقراطية بينما يدفعا نحو حكم القانون والحكمِ الجيد. وهذا التقدير المبالغ فيه يزيد من درجة تحكم القوى الخارجية في التحولات الديمقراطية بينما آليات ترويج الديمقراطية أكثر بساطة.

معضلة القيم الأميركية

ينتقل الكاتبان إلى مناقشة قضية أخري تتعلق بالجانب الأخلاقي للترويج للديمقراطية مؤكدين أن هذا الجانب يلعب دوراً مهماً في الحياة السياسية الاميركية. وضربا المثل بذلك مشيرين إلي أن الرؤساء الاميركيين، من وودرو وولسن، إلى جورج إتش . دبليو . بوش، وجدوا دائماً أن الأكثر فعالية لهم هو تأْطير الطموحات الاميركية في العالم ليس فقط في المفاهيم الإستراتيجية، لكن في مفاهيم مثل الحرية والديمقراطية، كما اعتبروا أن فقدان هذا الجانب، في الداخل أو الخارج، من شأنه أن يضعف الدعم المحلي للتدخل الاميركي في الشؤون العالمية ويقوض قدرة واشنطن لإقناع الحكومات الأخرى لدعم سياساتها الخارجية.

في هذا الإطار جاءت الإشارة إلي إن ترويج الديمقراطية يُعتبر الشيء الصحيح لخدمة المصالح الاميركية الإستراتيجية. فأولاً توفر الديمقراطية أفضل شكل مؤسسي لمحاسبة الحكام أمام شعوبهم، و تمنع الحكم التعسفي، وتعيق الحكم السيئ، وتوفر آلية لإزالة الحكم الفاسد أو غير الفعال، علاوة علي أنها توفر الاستعداد لوجود المنافسة السياسية، التي تقود تباعاً لحكم أفضل، وثانياً:َ تمِيل الديمقراطيات إلى توفير مزيد من الاستقرار الطبيعي والرفاهية الاقتصادية لشعوبها أكثر مما تقوم به الأوتوقراطيات ،وثالثاً: إنّ الطلب على واللجوء إلى الديمقراطية لنظام للحكومة سيكونا واسعي الانتشار

المصدر : تقرير واشنطن



في19,حزيران,2008  -  11:01 مساءً, زكرياء السرتي كتبها ...

أخي
أشكرك على هذه المدونة الرائعة والقيمة،وأرجو أن تتفضل بقراءة هذا النداء
السلام عليكم

هذه مدونة جديدة تنضاف إلى رصيد المدونات المعبرة عن هموم وأفكار الشباب العربي ، بتوجهاته كافة... أرجو أن تعملوا على تيسير نشرها وربطها بشبكة مدوناتكم التي تملك سبقا في مجال الكفاح الفكري والإعلامي... أتمنى لكم سفرا سعيدا مع المستبدين العرب...أو المماليك الجدد.

زكرياء